
أهـ,ـانها المدير أمام أربعين موظفًا لأنها دخلت الشركة بملابس فقيرة، وسكب عليها ماء التنظيف وهو يضحك، ولم يكن يعرف أن المرأة التي بلّلها أمام الجميع هي المالكة الحقيقية لكل الطابق الذي يقف فيه. في السعودية 🌙 داخل برج زجاجي ضخم في الرياض، كانت مجموعة السهلي للاستثمار تُدار كإمبراطورية لا يجرؤ أحد على مخالفتها، لكن خلف الواجهة اللامعة كانت هناك شكاوى صامتة تصل إلى المالكة دون أن يعرف الموظفون أنها تراقب.
كانت ريم السهلي، وريثة المجموعة بعد رحيل والدها، امرأة في منتصف الثلاثينات، تدير الشركة من خلف الستار منذ سنوات، لا تظهر في المكاتب إلا نادرًا، ويعرفها أغلب الموظفين باسم توقيع على القرارات لا بوجه حقيقي. وصلتها خلال أشهر رسائل مجهولة عن مدير إقليمي اسمه ماجد العتيبي، رجل متكبر يذل الموظفين الصغار، يسخـ,ـر من عاملات النظافة، ويعامل أصحاب المناصب البسيطة كأنهم لا يستحقون حتى النظر في عينيه. لم ترد ريم أن تسمع التقارير فقط، فقد تعلمت من والدها أن الحقيقة لا تظهر في غرف الاجتماعات، بل تظهر عندما يظن الظالم أن لا أحد مهمًا يراه.
في صباح أحد الأيام، تركت بدلاتها الفاخرة في خزانتها، وارتدت عباءة قديمة وحذاءً مستعملًا، ووضعت حقيبة رخيصة على كتفها، ثم دخلت برج شركتها كأنها امرأة تبحث عن وظيفة تنظيف أو مساعدة بسيطة. عند البوابة لم يسألها أحد عن اسمها باحترام، والحراس بالكاد نظروا إليها، وبعض الموظفين مروا بجانبها كأنها قطعة أثاث قديمة لا تستحق الانتباه. صعدت إلى الطابق الثاني والعشرين، حيث مكتب ماجد، وجلست قرب مكتب المساعدة تنتظر أن ترى كيف يتعامل الناس عندما يظنون أن الشخص الواقف أمامهم لا يملك نفوذًا ولا مالًا.
لم تمر دقائق حتى خرج ماجد من مكتبه، يضع هاتفه على أذنه، وما إن رأى ريم واقفة قرب الممر حتى توقف ونظر إليها من رأسها إلى قدميها باشـ,ـمئزاز واضح. قال بصوت عالٍ يسمعه الجميع: من أدخل هذه المرأة إلى هنا؟ هذا طابق الإدارة وليس جمعية خيرية. حاولت ريم أن تقول بهدوء إنها جاءت لمقابلة المسؤول عن التوظيف، لكنه قاطعها قبل أن تكمل وقال: أمثالك لا يدخلون من الباب الرئيسي، اذهبي من حيث أتيتِ ولا تلوثي شكل المكان.
توقف الموظفون عن الكتابة، وارتفعت العيون من الشاشات، بعضهم شعر بالخجل، وبعضهم خاف أن يتدخل، أما ماجد فزاد غروره حين رأى الجميع صامتين. اقترب من ريم وقال بابتسامة قاسية: يبدو أنك لا تفهمين مقامك، في هذه الشركة نحن نستقبل أصحاب الكفاءات لا من يأتون بملابس الشوارع. لم ترد ريم، فقط نظرت حولها إلى الوجوه، تبحث عن شخص واحد يقول له توقف، لكن الصمت كان أبلغ من أي اعتراف. اتجه ماجد إلى زاوية المكتب، وأخذ دلو ماء كان عامل النظافة يستخدمه قرب آلة التصوير، ثم عاد بخطوات بطيئة كأنه يقدم عرضًا أمام جمهور.
قال لها أمام الجميع: ربما الماء يجعلك تفيقين وتعرفين أن هذا المكان ليس لك. وقبل أن يتحرك أحد، قلب الدلو فوق رأسها، فانسكب الماء البارد على عباءتها وحقيبتها وحذائها، وارتجفت من الصدمة بينما امتلأ المكتب بصمت مميت. كانت ريم تقف مبتلة تمامًا، وقطرات الماء تنزل من وجهها، لكنها لم تصرخ ولم تبكِ، فقط رفعت رأسها ببطء ونظرت إلى ماجد نظرة جعلت ابتسامته تبدأ في التلاشي. قالت بصوت ثابت: شكرًا يا أستاذ ماجد، هذا بالضبط ما كنت أحتاج أن أراه بعيني.
ضحك بسخرية وقال: ومن أنتِ حتى أستاذنك بما أفعل؟ أخرجت ريم هاتفها المبلل من الحقيبة، مسحت شاشته بطرف كمها، واتصلت برقم قصير، ثم قالت بهدوء: أبلغوا مجلس الإدارة أن يصعد فورًا إلى الطابق الثاني والعشرين. تغيرت ملامح بعض الموظفين، أما ماجد فظل يضحك ويقول إنها فقدت عقلها من الإحراج، لكن ضحكته توقفت بعد عشر دقائق عندما فتح المصعد وخرج منه رئيس مجلس الإدارة والمدير القانوني ومديرة الموارد البشرية. ما إن رأوا ريم واقفة وسط المكتب بملابس مبتلة حتى شحبت وجوههم جميعًا، وتقدم رئيس المجلس بخوف واضح وقال: أستاذة ريم، ماذا حدث؟
تجمد ماجد في مكانه، وكأن الماء الذي سكبه عاد وانقلب فوق رأسه هو، أما الموظفون فبدأوا يتهامسون: أستاذة ريم؟ المالكة؟ نظرت ريم إلى ماجد وقالت: كنت أحتاج أن أعرف هل الشكاوى التي وصلتني حقيقية أم مبالغ فيها، وأنت وفرت عليّ شهور تحقيق كاملة. حاول ماجد أن يتكلم، أن يعتذر، أن يقول إنه لم يعرفها، لكنها رفعَت يدها وقالت: المشكلة ليست أنك لم تعرفني، المشكلة أنك ظننت أن من لا تعرفه لا يستحق الكرامة. طلبت ريم من المدير القانوني فتح تحقيق فوري، ومن الموارد البشرية جمع شهادات الموظفين الذين تعرضوا للإهانة، ومن الأمن حفظ تسجيلات الكاميرات قبل أن تختفي.
بدأت الوجوه التي كانت صامتة تتحرك، موظفة شابة بكت وهي تقول إن ماجد أهانها أمام زملائها قبل شهر، وعامل نظافة قال إنه كان يسمعه يناديهم بألقاب جارحة طوال الوقت. كان ماجد يقف عاجزًا، يحاول التبرير بأن الضغط كبير وأنه كان يمزح، لكن ريم قالت له ببرود: المزاح الذي يكسر إنسانًا أمام رزقه ليس مزاحًا، بل مرض في السلطة. في نفس اليوم، صدر قرار إيقافه عن العمل وإحالته للتحقيق، لكن ريم لم تكتفِ بذلك، بل أعلنت أمام الموظفين أن الشركة ستفتح قناة سرية للشكاوى، وأن أي مدير يهين موظفًا سيخرج قبل أن يخرج الموظف.
وقبل أن تغادر الطابق، التفتت إلى الجميع بعباءتها المبتلة وقالت: الشركة التي تبني أرباحها على خوف الناس لا تستحق أن تحمل اسم والدي. ظن ماجد أن العقوبة ستقف عند منصبه فقط، لكنه لم يكن يعرف أن ريم فتحت ملفًا قديمًا عن اختفاء أموال من فرع الشركة، وأن أول توقيع ظهر في المستندات كان توقيعه هو. وفي اللحظة التي جاءت فيها الشرطة المالية إلى البرج، تقدمت موظفة بسيطة كانت تخاف منه منذ عامين، ووضعت أمام ريم فلاشة صغيرة وقالت: احتفظت بهذا الدليل يوم ظن أنني مجرد عاملة لا تفهم شيئًا.
