منوعات

دخلت سيدة في التسعين إلى بنك

دخلت سيدة في التسعين إلى بنك كبير وقالت بهدوء: أريد فقط أن أتحقق من رصيدي، فضحك رجل أعمال ساخرًا من ملابسها القديمة، لكن الأرقام التي ظهرت على الشاشة جعلت وجهه يتجمد أمام الجميع. في الإمارات 🌙 داخل فرع بنك فاخر في أبوظبي، كان المكان مزدحمًا برجال الأعمال والموظفين والعملاء أصحاب الساعات اللامعة، وكل شيء في الردهة يوحي أن المال هنا لا يدخل إلا بملابس أنيقة وصوت واثق. دخلت الحاجة لطيفة، امرأة في التسعين من عمرها، تمشي ببطء متكئة على عصا خشبية قديمة، ترتدي عباءة بسيطة وحذاءً طبيًا، وتحمل حقيبة جلدية باهتة كأنها رافقتها نصف عمرها.

لم تشتكِ من طول الطابور، ولم تطلب معاملة خاصة لكبر سنها، فقط وقفت بصبر ووجهها هادئ، كأن الزمن علّمها أن الكرامة لا تحتاج إلى ضجيج. خلفها كان يقف رجل أعمال مشهور اسمه مازن الكعبي، مليونير عقارات في الخمسين، يرتدي بدلة فاخرة وينظر إلى ساعته كل دقيقة وكأن انتظار امرأة مسنة إهـ,ـانة لمكانته. كان يتنهد بصوت عالٍ، يرفع حاجبه، ويتمتم أمام من حوله أن بعض الناس لا يعرفون قيمة الوقت ولا المكان الذي يقفون فيه. عندما وصلت الحاجة لطيفة إلى الشباك، ابتسمت للموظفة الشابة وقدمت بطاقة بنكية قديمة وقالت بصوت رقيق: يا بنتي، أريد فقط أن أعرف كم بقي في حسابي.

سمع مازن الجملة، فضحك ضحكة قصيرة وقال بسخـ,ـرية: يا خالة، يوجد صراف آلي بالخارج، هذا الطابور للمعاملات المهمة وليس لمعاشات بسيطة. التفتت إليه الحاجة لطيفة ببطء، ونظرت له نظرة هادئة لا تحمل غضبًا ولا خوفًا، ثم قالت: يا ولدي، حسابي في هذا البنك أقدم من عمرك. ضحك مازن مرة أخرى، وبعض الواقفين ابتسموا بخجل، بينما حاولت الموظفة أن تبقى مهنية وأدخلت البطاقة في الجهاز. لكن بعد ثوانٍ، تغير وجه الموظفة تمامًا، اتسعت عيناها وهي تنظر إلى الشاشة، ثم أعادت تحديث الصفحة، ثم طلبت من زميلها التحقق من رقم الحساب.

ساد صمت غريب حول الشباك، ومازن لا يزال مبتسمًا بثقة، يظن أن المشكلة أن البطاقة قديمة أو الحساب فارغ أو يحتاج إغلاقًا. رفعت الموظفة رأسها بصوت مرتجف وقالت: الحاجة لطيفة، الرصيد المتاح في حسابك يزيد على ثمانمئة مليون درهم. اختفى صوت الردهة في لحظة، حتى من كان يكتب على الهاتف توقف، أما مازن فبقي واقفًا وفمه نصف مفتوح لا يعرف هل سمع الرقم خطأ أم أن العالم انقلب أمامه. قالت الحاجة لطيفة ببساطة: الحمد لله، أردت فقط أن أتأكد قبل أن أوقّع أوراق التبرع.

تدخل مدير الفرع مسرعًا بعدما وصلته إشارة من الموظفة، وانحنى باحترام وقال: سيدتي، لماذا لم تخبرينا أنك قادمة؟ كنا أرسلنا لك غرفة كبار العملاء. ابتسمت وقالت: لو دخلت من باب كبار العملاء ما كنت عرفت كيف يعامل موظفوكم ومن يقف في طابوركم امرأة عجوزًا لا تبدو غنية. احمر وجه مازن، وحاول أن يضحك ضحكة مرتبكة وقال: أنا كنت أمزح فقط يا خالة، لا تؤاخذيني. نظرت إليه وقالت: المزاح الذي يجرح الفقير ليس مزاحًا، ولو كنت فعلًا أملك معاشًا صغيرًا، هل كان يحق لك أن تصغرني أمام الناس؟

لم يستطع الرد، فكل بدلة يرتديها وكل ساعة يفتخر بها لم تنقذه من نظرة امرأة مسنة كشفت قلة أصله في أقل من دقيقة. طلبت الحاجة لطيفة كرسيًا وجلست، ثم أخرجت من حقيبتها ملفًا قديمًا، وقالت للمدير إنها جاءت لتوقيع تحويل كبير لصالح مستشفى للأطفال ومركز لإيواء النساء المسنات اللواتي تخلى عنهن أبناؤهن. قال المدير بدهشة إن هذا المبلغ سيجعلها من أكبر المتبرعين في تاريخ البنك، لكنها ردت بهدوء: المال الذي لا يمسح دمعة لا قيمة له، وأنا لم أدخره لأسمع الناس ينادونني غنية.

كانت القاعة كلها تستمع، والموظفة الشابة تمسح دموعها، بينما وقف مازن في الخلف يحاول الاختفاء بين الناس الذين كان قبل قليل يتمنى أن يروه. ثم التفتت الحاجة لطيفة نحو مازن وسألته: أنت مازن الكعبي، أليس كذلك؟ ارتجف صوته وقال: نعم، هل تعرفينني؟ قالت: أعرف اسمك جيدًا، لأن والدك قبل ثلاثين سنة وقف في هذا البنك نفسه، وطلب قرضًا لينقذ بيته، فرفضوه لأن ملابسه كانت بسيطة، وأنا من وقعت له ضمانًا دون أن يعرف. تغير وجه مازن أكثر، فقد كان أبوه يحكي دائمًا عن امرأة مجهولة أنقذت عائلتهم من الإفلاس، لكنه لم يعرف اسمها أبدًا.

قالت الحاجة لطيفة: والدك لم ينسَ المعروف، وكان يرسل لي كل سنة رسالة شكر، أما أنت فدخلت المال من بابه الواسع ونسيت أن بدايتكم كانت عند باب الرحمة. اقترب مازن منها وعيناه ممتلئتان بالخجل، وقال بصوت مكسـ,ـور: سامحيني، لم أكن أعرف. ردت بهدوء: المشكلة ليست أنك لم تعرفني، المشكلة أنك لم ترَ الإنسان قبل أن تعرف رصيده. ظن الجميع أن الموقف انتهى عند هذا الدرس، لكن مدير البنك عاد بعد دقائق ومعه ملف طارئ، وقال إن هناك إجراءً قانونيًا يجب مراجعته قبل إتمام التبرع.

فتح الملف أمامها، فإذا به يحتوي على طلب حجز قديم على جزء من أموالها مرفوع باسم شركة عقارية يملكها مازن الكعبي نفسه. تجمد مازن في مكانه، بينما رفعت الحاجة لطيفة عينيها إليه وقالت: يبدو يا ولدي أنك لم تضحك عليّ اليوم فقط، بل كنت تحاول منذ شهور أن تأخذ أرض دار الأيتام التي أوقفتها للفقراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى