
قبل ساعات من سفري، عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري. لم أكن أتوقع أن أسمع أمي تستغيث من الداخل: “بالله عليك… لا تضر بيني.” تجمدت في مكاني، وعندما فتحت باب المطبخ، رأيت أمي ملقاة على الأرض، بينما كانت خطيبتي التي عرفتها لثلاث سنوات تقف فوقها بنظرة لم أرها في عينيها من قبل. ظننت أن تلك هي أكبر صدمة يمكن أن أتعرض لها في حياتي. لكنني كنت مخطئًا. فالصدمة الحقيقية لم تكن ما رأيته في ذلك اليوم، بل ما اكتشفته بعدها بدقائق.
اعتقدت أنني أملك كل شيء. في الثانية والثلاثين من عمري، كنت قد بنيت شركة مقاولات من الصفر. انتقلت من بيع الحلوى عند التقاطعات إلى توقيع العقود داخل المكاتب الفخمة. ومن مشاهدة أمي وهي تعمل في بيوت الناس حتى تتشقق يداها من التعب، إلى شراء منزل واسع لها بأرضيات رخامية وحديقة وغرفة تدخلها الشمس كل صباح. أمي، أم أحمد، كانت ملكتي. قصيرة القامة. هادئة. بيدين خشنَتين وأنقى قلب عرفته في حياتي. وعدتها أنها لن تعاني مرة أخرى.
ثم جاءت سارة. جميلة. مهذبة. من عائلة ميسورة الحال. دائمًا تبدو مثالية. ودائمًا تبتسم في وجهي. كنا قد عقدنا قراننا قبل أشهر، ولم يبقَ على موعد الزفاف سوى وقت قصير، لذلك أصبحت تتردد على المنزل باستمرار وتتعامل مع أمي وكأنها واحدة من أفراد العائلة. كانت تقول لي: “لا تقلق يا حبيبي، يمّه بعيني.” ثم تقبّل رأس أمي وكأنها تحبها فعلًا. كنت أنظر إليها وأفكر: “كنت أظن أن الله رزقني الزوجة الصالحة.” كم كنت أعمى. أمي رأت ما لم أستطع رؤيته.
رأت كيف يتغير وجه سارة بمجرد خروجي من المنزل. وكيف تتنهد بضيق عندما تمشي أمي ببطء في الصالة. وكيف كانت تطلب منها إعادة تنظيف أشياء سبق أن نظفتها. لكن أمي بقيت صامتة. كانت دائمًا تبقى صامتة. وقالت لي ذات مرة بابتسامة حزينة: “ما دمت سعيدًا يا بني، فأنا أتحمل كل شيء.” لم أفهم ما قصدته. أو ربما لم أرد أن أفهم. حتى ذلك اليوم. كان عليّ السفر إلى دبي لإتمام أهم صفقة في حياتي. وقفت سارة عند الباب تعدل ياقة قميصي وقالت:
“سافر وأنت مطمئن… خالتي بعيني.” أما أمي فرفعت يدها تدعو لي: “الله يحفظك يا بني.” عانقتها. وشعرت بعظامها الصغيرة الهشة بين ذراعي. وشعرت بشيء غريب. كأنها تريد أن تخبرني بأمر ما. لكنها ابتلعته في اللحظة الأخيرة. ركبت سيارتي وانطلقت نحو المطار. وفي منتصف الطريق مددت يدي إلى الحقيبة. فتجمد الدم في عروقي. جواز سفري لم يكن هناك. تركته على مكتبي في المنزل. طلبت من السائق أن يستدير فورًا. وقلت له: “أسرع، بالله عليك.” بعد خمس عشرة دقيقة، دخلت من الباب الجانبي دون أن أخبر أحدًا بعودتي.
كان المنزل هادئًا على نحو غريب. لا صوت تلفاز. لا صوت حديث. لا شيء. ثم سمعت صوت ارتطام. ثم ارتطامًا آخر. ثم صوتًا أعرفه جيدًا. صوت أمي. “لا تضـ,ـربيني مرة أخرى… أرجوكي.” شعرت أن العالم توقف حولي. وتوجهت نحو المطبخ دون أن أشعر حتى بأنني أتنفس. وهناك رأيتها. كانت أمي ملقاة على الأرض قرب مخزن المواد الغذائية. عصاها مكسورة إلى نصفين. فنجان القهوة محـ,ـطّم. والقهوة متناثرة فوق البلاط. أما سارة… فكانت تقف فوقها ويدها مرفوعة.
وجهها مشـ,ـوّه بالغضب. لم تعد تلك المرأة اللطيفة التي عرفتها. ولم تعد خطيبتي المثالية. بدت كأنها شخص آخر تمامًا. ثم سمعتها تقول: “أنتِ عجوز مقرفة وبمجرد أن يتم زفافي، ستأخلص منكِ. سأرسلك إلى دار مسنين بأبعد محافظة وما راح أحد يسأل عنك.” كانت أمي ترتجف. وشفتاها ترتعشان. لم أستطع التحرك. ليس في البداية. كأن شيئًا ثقيلاً سقط فوق صدري وثبّتني في مكاني. ثم التقطت سارة علبة دواء الضغط من فوق الطاولة وهزّتها أمام أمي. وقالت باستهزاء:
“وتوقفي عن إخفاء هذه الحبوب. إذا ارتفع ضغطك أكثر فهذه مشكلتك، مو مشكلتي.” عندها انفجر شيء بداخلي. وقلت بصوت منخفض: “سارة…” انتفض جسدها كله. واستدارت نحوي بسرعة. اختفى اللون من وجهها فجأة. وتلعثمت وهي تحدق بي: “أحمد؟! أنت… أنت لم تسافر؟” لكنني لم أنظر إليها. اندفعت نحو أمي وركعت بجانبها. وأمسكت وجهها بين يدي. كانت ترتجف. وعلى خدها الأيسر ظهرت علامة حمراء واضحة. فرفعت رأسي نحو سارة. وسألتها: “منذ متى وأنتِ تفعلين هذا؟” فتحت فمها.
ثم أغلقته. وحاولت أن تبكي. وحاولت أن تمثل دور الضحية. وقالت: “الأمر ليس كما تظن… خالتي وقعت وحدها وأنا كنت أحاول أساعدها.” صرخت فيها: “كفى كذبًا!” عندها بدأت أمي تبكي. ليس بكاءً مرتفعًا. بل ذلك البكاء الصامت الذي تحاول الأمهات إخفاءه حتى وهنّ يتألمن. وقالت بصوت مرتجف: “سامحني يا بني… والله ما أردت أن أفسد فرحتك.” وسألتها: “لماذا لم تخبريني؟” أطرقت برأسها إلى الأرض. ثم همست: “لأنك كنت تحبها.” كانت تلك الكلمات أشد عليّ من كل شيء.
أشد من الكذب. وأشد من الإهانة. وأشد حتى من المشهد الذي رأيته أمامي. اقتربت سارة خطوة مني وقالت بسرعة: “أحمد، اسمعني. أمك كبيرة في السن. أحيانًا تتوهم أشياء غير موجودة. أنت تعرف ذلك. وهي كثيرة السقوط أصلًا…” ثم أمسكت بذراعي محاولة الاقتراب مني. فتراجعت خطوة إلى الخلف. وفي تلك اللحظة ارتطمت قدمها بالكرسي القريب. فسقط الملف البني من فوق الطاولة وتناثرت الأوراق على الأرض. لم أكن أنوي النظر إليها. لكن شيئًا شد انتباهي. رأيت اسمي مكتوبًا على إحدى الصفحات.
انحنيت والتقطتها. وفي اللحظة التالية شعرت أن الدم تجمد في عروقي. كانت وكالة عامة. تحمل اسمي. وتوقيعًا يشبه توقيعي إلى حد مرعب. لكنني لم أوقع عليها يومًا. رفعت بقية الأوراق بسرعة. فوجدت إقرارات قانونية. ونماذج تفويض. وأوراقًا أخرى تحمل اسم أمي وصورتها الشخصية. ثم وقعت عيناي على ملف خاص بإحدى دور المسنين. كانت بداخله استمارات مكتملة البيانات. وتقارير مطبوعة. وترتيبات جاهزة لاستقبالها. كما وجدت إقرارًا جاهزًا للتوقيع. يفيد بموافقتي على إيداع أمي في دار مسنين وتولي جهة أخرى رعايتها.
شعرت بدمي يغلي. رفعت الورقة في وجهها. وقلت: “ما هذا؟” اختفت دموعها فجأة. وتوقف التمثيل. وتصلبت ملامحها. وقالت ببرود: “لم تترك لي أمك خيارًا.” صرخت: “إنها أمي.” فصرخت هي الأخرى: “بالضبط!” وأشارت نحو أمي المرتجفة على الأرض. ثم قالت: “دائمًا أمك.” “أمك أولًا.” “أمك قبل كل شيء.” “كأنني غير موجودة أصلًا.” ثم أضافت وهي تنظر إليها باحتقار: “هل كنت تتوقع مني أن أقضي عمري مع عجوز تتدخل في كل شيء؟” في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا باردًا استقر داخل صدري.
ولأول مرة منذ دخلت المطبخ… اختفى الغضب وحل مكانه شيء أخطر. أخرجت هاتفي واتصلت بالشرطة. شهقت سارة واندفعت نحوي. “أحمد… لا تفعل!” لكن قبل أن تصل إليّ… اهتز هاتفي. كانت رسالة من رقم مجهول. فتحتها دون تفكير. وفي اللحظة التي قرأتها فيها تجمدت في مكاني. أعدت قراءة السطور مرة أخرى. ثم رفعت رأسي ببطء نحو سارة. كانت تنظر إلى الشاشة. وعندما التقت عيناها بعيني… اختفى اللون من وجهها تمامًا. همست بصوت مرتجف: “لا…” ثم تراجعت خطوة إلى الخلف.
وكأنها رأت شبحًا. نظرت إلى الشاشقبل ساعات من سفري، عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري. لم أكن أتوقع أن أسمع أمي تستغيث من الداخل: “بالله عليك… لا تضر بيني.” تجمدت في مكاني، وعندما فتحت باب المطبخ، رأيت أمي ملقاة على الأرض، بينما كانت خطيبتي التي عرفتها لثلاث سنوات تقف فوقها بنظرة لم أرها في عينيها من قبل. ظننت أن تلك هي أكبر صدمة يمكن أن أتعرض لها في حياتي. لكنني كنت مخطئًا. فالصدمة الحقيقية لم تكن ما رأيته في ذلك اليوم، بل ما اكتشفته بعدها بدقائق.
اعتقدت أنني أملك كل شيء. في الثانية والثلاثين من عمري، كنت قد بنيت شركة مقاولات من الصفر. انتقلت من بيع الحلوى عند التقاطعات إلى توقيع العقود داخل المكاتب الفخمة. ومن مشاهدة أمي وهي تعمل في بيوت الناس حتى تتشقق يداها من التعب، إلى شراء منزل واسع لها بأرضيات رخامية وحديقة وغرفة تدخلها الشمس كل صباح. أمي، أم أحمد، كانت ملكتي. قصيرة القامة. هادئة. بيدين خشنَتين وأنقى قلب عرفته في حياتي. وعدتها أنها لن تعاني مرة أخرى.
ثم جاءت سارة. جميلة. مهذبة. من عائلة ميسورة الحال. دائمًا تبدو مثالية. ودائمًا تبتسم في وجهي. كنا قد عقدنا قراننا قبل أشهر، ولم يبقَ على موعد الزفاف سوى وقت قصير، لذلك أصبحت تتردد على المنزل باستمرار وتتعامل مع أمي وكأنها واحدة من أفراد العائلة. كانت تقول لي: “لا تقلق يا حبيبي، يمّه بعيني.” ثم تقبّل رأس أمي وكأنها تحبها فعلًا. كنت أنظر إليها وأفكر: “كنت أظن أن الله رزقني الزوجة الصالحة.” كم كنت أعمى. أمي رأت ما لم أستطع رؤيته.
رأت كيف يتغير وجه سارة بمجرد خروجي من المنزل. وكيف تتنهد بضيق عندما تمشي أمي ببطء في الصالة. وكيف كانت تطلب منها إعادة تنظيف أشياء سبق أن نظفتها. لكن أمي بقيت صامتة. كانت دائمًا تبقى صامتة. وقالت لي ذات مرة بابتسامة حزينة: “ما دمت سعيدًا يا بني، فأنا أتحمل كل شيء.” لم أفهم ما قصدته. أو ربما لم أرد أن أفهم. حتى ذلك اليوم. كان عليّ السفر إلى دبي لإتمام أهم صفقة في حياتي. وقفت سارة عند الباب تعدل ياقة قميصي وقالت:
“سافر وأنت مطمئن… خالتي بعيني.” أما أمي فرفعت يدها تدعو لي: “الله يحفظك يا بني.” عانقتها. وشعرت بعظامها الصغيرة الهشة بين ذراعي. وشعرت بشيء غريب. كأنها تريد أن تخبرني بأمر ما. لكنها ابتلعته في اللحظة الأخيرة. ركبت سيارتي وانطلقت نحو المطار. وفي منتصف الطريق مددت يدي إلى الحقيبة. فتجمد الدـ,ـم في عروقي. جواز سفري لم يكن هناك. تركته على مكتبي في المنزل. طلبت من السائق أن يستدير فورًا. وقلت له: “أسرع، بالله عليك.” بعد خمس عشرة دقيقة، دخلت من الباب الجانبي دون أن أخبر أحدًا بعودتي.
كان المنزل هادئًا على نحو غريب. لا صوت تلفاز. لا صوت حديث. لا شيء. ثم سمعت صوت ارتطام. ثم ارتطامًا آخر. ثم صوتًا أعرفه جيدًا. صوت أمي. “لا تضـ,ـربيني مرة أخرى… أرجوكي.” شعرت أن العالم توقف حولي. وتوجهت نحو المطبخ دون أن أشعر حتى بأنني أتنفس. وهناك رأيتها. كانت أمي ملقاة على الأرض قرب مخزن المواد الغذائية. عصاها مكسـ,ـورة إلى نصفين. فنجان القهوة محطّم. والقهوة متناثرة فوق البلاط. أما سارة… فكانت تقف فوقها ويدها مرفوعة.
وجهها مشوّه بالغضب. لم تعد تلك المرأة اللطيفة التي عرفتها. ولم تعد خطيبتي المثالية. بدت كأنها شخص آخر تمامًا. ثم سمعتها تقول: “أنتِ عجوز مقرفة وبمجرد أن يتم زفافي، ستأخلص منكِ. سأرسلك إلى دار مسنين بأبعد محافظة وما راح أحد يسأل عنك.” كانت أمي ترتجف. وشـ,ـفتاها ترتعشان. لم أستطع التحرك. ليس في البداية. كأن شيئًا ثقيلاً سقط فوق صدري وثبّتني في مكاني. ثم التقطت سارة علبة دواء الضغط من فوق الطاولة وهزّتها أمام أمي. وقالت باستهزاء:
“وتوقفي عن إخفاء هذه الحبوب. إذا ارتفع ضغطك أكثر فهذه مشكلتك، مو مشكلتي.” عندها انفجر شيء بداخلي.
