
وقلت بصوت منخفض: “سارة…” انتفض جسدها كله. واستدارت نحوي بسرعة. اختفى اللون من وجهها فجأة. وتلعثمت وهي تحدق بي: “أحمد؟! أنت… أنت لم تسافر؟” لكنني لم أنظر إليها. اندفعت نحو أمي وركعت بجانبها. وأمسكت وجهها بين يدي. كانت ترتجف. وعلى خدها الأيسر ظهرت علامة حمراء واضحة. فرفعت رأسي نحو سارة. وسألتها: “منذ متى وأنتِ تفعلين هذا؟” فتحت فمها. ثم أغلقته. وحاولت أن تبكي. وحاولت أن تمثل دور الضحية. وقالت: “الأمر ليس كما تظن… خالتي وقعت وحدها وأنا كنت أحاول أساعدها.”
صرخت فيها: “كفى كذبًا!” عندها بدأت أمي تبكي. ليس بكاءً مرتفعًا. بل ذلك البكاء الصامت الذي تحاول الأمهات إخفاءه حتى وهنّ يتألمن. وقالت بصوت مرتجف: “سامحني يا بني… والله ما أردت أن أفسد فرحتك.” وسألتها: “لماذا لم تخبريني؟” أطرقت برأسها إلى الأرض. ثم همست: “لأنك كنت تحبها.” كانت تلك الكلمات أشد عليّ من كل شيء. أشد من الكذب. وأشد من الإهانة. وأشد حتى من المشهد الذي رأيته أمامي. اقتربت سارة خطوة مني وقالت بسرعة: “أحمد، اسمعني. أمك كبيرة في السن. أحيانًا تتوهم أشياء غير موجودة. أنت تعرف ذلك. وهي كثيرة السقوط أصلًا…”
ثم أمسكت بذراعي محاولة الاقتراب مني. فتراجعت خطوة إلى الخلف. وفي تلك اللحظة ارتطمت قدمها بالكرسي القريب. فسقط الملف البني من فوق الطاولة وتناثرت الأوراق على الأرض. لم أكن أنوي النظر إليها. لكن شيئًا شد انتباهي. رأيت اسمي مكتوبًا على إحدى الصفحات. انحنيت والتقطتها. وفي اللحظة التالية شعرت أن الدـ,ـم تجمد في عروقي. كانت وكالة عامة. تحمل اسمي. وتوقيعًا يشبه توقيعي إلى حد مرعب. لكنني لم أوقع عليها يومًا. رفعت بقية الأوراق بسرعة. فوجدت إقرارات قانونية.
ونماذج تفويض. وأوراقًا أخرى تحمل اسم أمي وصورتها الشخصية. ثم وقعت عيناي على ملف خاص بإحدى دور المسنين. كانت بداخله استمارات مكتملة البيانات. وتقارير مطبوعة. وترتيبات جاهزة لاستقبالها. كما وجدت إقرارًا جاهزًا للتوقيع. يفيد بموافقتي على إيداع أمي في دار مسنين وتولي جهة أخرى رعايتها. شعرت بدمي يغلي. رفعت الورقة في وجهها. وقلت: “ما هذا؟” اختفت دموعها فجأة. وتوقف التمثيل. وتصلبت ملامحها. وقالت ببرود: “لم تترك لي أمك خيارًا.” صرخت: “إنها أمي.” فصرخت هي الأخرى:
“بالضبط!” وأشارت نحو أمي المرتجفة على الأرض. ثم قالت: “دائمًا أمك.” “أمك أولًا.” “أمك قبل كل شيء.” “كأنني غير موجودة أصلًا.” ثم أضافت وهي تنظر إليها باحتقار: “هل كنت تتوقع مني أن أقضي عمري مع عجوز تتدخل في كل شيء؟” في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا باردًا استقر داخل صدري. ولأول مرة منذ دخلت المطبخ… اختفى الغضب وحل مكانه شيء أخطر. أخرجت هاتفي واتصلت بالشرطة. شهقت سارة واندفعت نحوي. “أحمد… لا تفعل!” لكن قبل أن تصل إليّ…
اهتز هاتفي. كانت رسالة من رقم مجهول. فتحتها دون تفكير. وفي اللحظة التي قرأتها فيها تجمدت في مكاني. أعدت قراءة السطور مرة أخرى. ثم رفعت رأسي ببطء نحو سارة. كانت تنظر إلى الشاشة. وعندما التقت عيناها بعيني… اختفى اللون من وجهها تمامًا. همست بصوت مرتجف: “لا…” ثم تراجعت خطوة إلى الخلف. وكأنها رأت شبحًا. نظرت إلى الشاشة من جديد. لأن الرسالة لم تتحدث عن أمي. ولا عن الأوراق التي وجدتها. بل عن شيء آخر تمامًا.
شيء لم أكن أعرف بوجوده أصلًا. شيء جعل كل ما اكتشفته قبل دقائق يبدو تافهًا مقارنة بما كنت على وشك معرفته.ة من جديد. لأن الرسالة لم تتحدث عن أمي. ولا عن الأوراق التي وجدتها. بل عن شيء آخر تمامًا. شيء لم أكن أعرف بوجوده أصلًا. شيء جعل كل ما اكتشفته قبل دقائق يبدو تافهًا مقارنة بما كنت على وشك معرفته.
